تواجه الجولة السادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، كما سابقاتها، سلسلة من العقبات التي تؤخّر إحراز تقدّم ميداني واضح وملموس من شأنه أن يُثبت صوابية خيار التفاوض الذي انتقل أخيرًا من واشنطن إلى روما، من دون اختلاف يُذكر على مستوى المضمون. فما هي أبرز هذه العقبات، وهل سيتمّ تجاوزها؟
يضغط الجانب اللبناني لبدء الجيش الإسرائيلي أولى انسحاباته من مناطق محتلّة بشرط أن تكون مترابطة،لتكون الفرصة متاحة أمام السُلطة الرسمية لإظهار جديتها في تسلّم مسؤولية الأمن، وأمام الجيش اللبناني لإثبات قدرته على فرض أحادية السلاح. لكنّ المُشكلة أنّ الجانب الإسرائيلي يُحاول التسويق لانسحابات من قرى وبلداتغير متجاورة ولا يحتلّها عمليًا، بل هي متاخمة لمناطق يتواجد فيها أو يُسيطر عليها بالنار. والأهداف الإسرائيلية من هذا الطرح متعدّدة وتتّسم بالخبث:
أوّلا: إن ادعاء الانسحاب من مناطق غير محتلة لا قيمة له ميدانيًا، بل يُمثّل محاولة لتسجيل نقاط إعلامية لجهة إظهار حسن نيّة زائفة.
ثانيا: محاولة الإيقاع بين وحدات الجيش اللبناني وعناصر "حزب الله" في حال العمل على منع تواجد هذه الأخيرة في المناطق المُحاذية التي تحتلّها إسرائيل حاليا.
ثالثا: تأمين خط فاصل أو عازل من قبل القوى الشرعية اللبنانية بين مواقع قوات الاحتلال والمخابئ التي يتموضع فيها مقاتلو "الحزب".
وإضافة إلى تباين وجهات النظر بشأن الحدود الجغرافية لما يُسمّى "المناطق التجريبيّة"، والذي تُبذل جهود كبيرة لمعالجته، يُشكّل استمرار الخروقات الإسرائيلية عقبة ثانية لا تقلّ أهميّة عن الأولى! وفي هذا السياق، إنّ مواصلة قوات الاحتلال خروقاتها من جانب واحد، لا سيّما لجهة أعمال التفجير والهدم والتجريف في القرى والبلدات الجنوبية الحدودية، أثّر سلبا على الأجواء المطلوب تعميمها للمضيّ قُدما في تنفيذ ما ورد من بنود ضمن "اتفاق الإطار"، وجعل قسما كبيرا من الشعب اللبناني في موقع الرافض لهذا الأمر، خاصة وأن هذه الخروقات تترافق مع استمرار الاحتلال ورفض الإفراج عن الأسرى والمعتقلين، ومنع عودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم. وصار الوفد اللبناني مُكبّلا نوعا ما على طاولة التفاوض وغير قادر على الذهاب بعيدا في ظلّ التعنّت الإسرائيلي.
بالنسبة إلى العقبة الثالثة التي تواجه مفاوضات روما فهي تتمثّل في صُعوبة حلّ تفاصيل مسألة تشكيل اللجان الفنية التي ستُشرف على عمليات الانسحابات الجزئية، ومسألة الآليات التنفيذية الميدانية لانسحاب الجيش الإسرائيلي ودخول الجيش اللبناني، من دون أن يكون الأمر عبارة عن تنسيق بين الفريقين. وتُوجد في هذا السياق صُعوبات عدة تتناول التفاصيل الأمنية والتقنية والزمنية والقانونية واللوجستية، إلخ.
أمّا العقبة الرابعة فتتمثّل في استمرار رفض "حزب الله" أي تنسيق مع السُلطة الرسمية اللبنانية لإخلاء مواقعه المتخامة لأماكن انتشار قوات الاحتلال، الأمر الذي يزيد الضغط على الجيش اللبناني ويضع القوى الشرعية في موقف حسّاس بين تطبيق ما سيتوجّب عليها من التزامات ميدانية، وعدم التسبّب بأي صدام داخلي مُسلّح يزيد الشرخ السياسي الداخلي الناجم من تباين في الآراء بالنسبة إلى أفضل سُبل التعاطي مع التطورات في الجنوب. ففي حين أن الحكومة على قناعة تامة أن لا مجال لاستعادة المنطقة الجنوبية الجغرافية بغير مسار التفاوض–على صعوبته، يُصرّ "الحزب" على أن ربط الملف اللبناني بالملف الإيراني، وجعل مطالب لبنان على طاولة الوفد الإيراني الذي يُحاور الوفد الأميركي، سيقود في نهاية المطاف إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية بشكل تام، وإلى الانسحاب من الجنوب. لكنّ الظروف الحالية المُتمثّلة بتصاعد التوتّر بشكل كبير بين واشنطن وطهران، على الصعيدين العسكري والسياسي، يجعل من هذا التعويل مُجرّد رهان قد لا يجد طريقه إلى التنفيذ أبدا، وهو لا ينفع لبنان بشيء بل يصبّ في مصلحة الجانب الإيراني الذي يفاوض أميركا من موقع الجهة المُقرّرة والمُوَجّهة لكامل قوى "محور الممانعة"، من لبنان مرورا بالعراق وُصولا إلى اليمن.
في الخلاصة، إن مسار المفاوضات بين لبنان وإسرائيلالذي تتواصل الجهود حاليا لتذليل عقباته، هو مسار طويل وصعب لكنه على الأقل خيار يحقن الدماء نسبيا، بينما الخيارات الأخرى المتاحة تُشكّل مخاطرة كبرى قد تقود إلى حرب جديدة مفتوحة وشاملة ليس في الجنوب فحسب بل على كامل الجغرافيا اللبنانية. فهل الشعب اللبناني قادر بعد على تحمّل هذا النوع من المغامرات، خاصة وأنّ النتائج التي تمخّضت عنها أثبتت فشلها الذريع؟!





















































